السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
32
مختصر الميزان في تفسير القرآن
أو أنا نعلم من يموت منهم فيدفن في الأرض فتنقصه الأرض من جمعهم ، و « من » على أول الوجهين تبعيضية وعلى الثاني تبيينية . وقوله : وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ أي حافظ لكل شيء ولآثاره وأحواله ، أو كتاب ضابط للحوادث محفوظ عن التغيير والتحريف ، وهو اللوح المحفوظ الذي فيه كل ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة . ومحصل جواب الآية أنهم زعموا أن موتهم وصيرورتهم ترابا متلاشي الذرّات غير متمايز الأجزاء يصيرهم مجهولي الأجزاء عندنا فيمتنع علينا جمعها وإرجاعها لكنه زعم باطل فإنا نعلم بمن مات منهم وما يتبدل إلى الأرض من أجزاء أبدانهم وكيف يتبدل وإلى أين يصير ؟ وعندنا كتاب حفيظ فيه كل شيء وهو اللوح المحفوظ . قوله تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ المرج الاختلاط والالتباس ، وفي الآية إضراب عما تلوح اليه الآية السابقة فإن اللائح منها أنهم إنما تعجبوا من أمر البعث والرجوع واستبعدوه لجهلهم بأن اللّه سبحانه عليم لا يعزب عنه شيء من أحوال خلقه وآثارهم وأن جميع ذلك مستطر في اللوح المحفوظ عند اللّه بحث لا يشذّ عنه شاذ . فاضرب في هذه الآية أن ذلك ليس من جهلهم وإن تجاهلوا بل كذّبوا بالحق لما جاءهم فاستبان لهم أنه حق فهم جاحدون للحق معاندون له وليسوا بجاهلين به قاصرين عن إدراكه فهم في أمر مريج مختلط غير منتظم يدركون الحق ويكذبون به مع أن لازم العلم بشيء تصديقه والإيمان به . وقيل : المراد بكونهم في أمر مريج أنهم متحيرون بعد إنكار الحق لا يدرون ما يقولون فتارة يقولون : افتراء على اللّه ، وتارة : سحر ، وتارة : شعر ، وتارة : كهانة وتارة : زجر . ولذلك عقّب الكلام بذكر آيات علمه وقدرته توبيخا لهم ثم بالإشارة إلى تكذيب الأمم